حسن بن موسى القادري

20

شرح حكم الشيخ الأكبر

هذا المعنى قيل : أيا عجبا يعصي الإله * أم كيف يجحده الجاحد وللّه في كلّ تحريكة * وتسكينة علم شاهد وفي كلّ شيء له آية * تدلّ على أنّه واحد وتلك الآية هي الوحدانية أيّ : وحدانية الشيء لا غير فليس عال وسافل إلا عارفا بالوحدانية لخالقه ، فما عبد عابد إلا هو تعالى . قال تعالى : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [ الإسراء : 23 ] أي : حكم وحكمه ماض نافذ ليس في وسع الخلق إمكان رده ، فالشريك في الحقيقة هو الأحد ، وليس المعبود الشخص المنصوب ، بل إنما هو السر المطلوب ، والمعبود هو الرب واللّه هو الجامع ، فالمشرك يقول : بالواحد ، لكن من مكان بعيد ، فشقى بالبعد ، والمؤمن يقول به : من مكان قريب فسعد بالقرب ، فكل عبادة قامت عن أمر أثنى عليها ، فما لم تقم عن أمر ذمت ولم يثن عليها إلا إنها قامت على المشيئة المستوية للذات الأحدية . قال اللّه تعالى : ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها [ الحديد : 27 ] ، فعلم أن لها حقا يجب رعايته ، وحفظه للغيرة الإلهية ، ولولا تخيل المشرك في معبوده سرّ الألوهية لما عبده أصلا ، لكن الحقّ قرن السعادة بأمر المشيئة ، والشقاوة بإرادتها ، وما عبد أحد إلا الرب ، فإليه الإشارة بقوله تعالى : وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [ الكهف : 110 ] ، فما قال : بعبادة اللّه ؛ لأن الأحد لا يقبل الشركة بحال ، والعبادة ليست له ، وإنما هي للرب ، فلذا قيل العبودية : القيام بحقوق الربوبية . قال الشيخ قدّس سرّه في ( الفتوحات المكية ) : ( اعلم أن العبد لا يكمل شهوده وعبادته للّه تعالى إلا إن شاهده وعبده من حيث أوليته المنزهة عن أن يتقدمها أولية من حيث أولية العبد من أوليات كثيرة قبله ، فإذا وفقّ العبد ، وعبد ربه من حيث أوليته تعالى انسحبت عبادته من هناك على كلّ عبادة عبدها أحد من المخلوقين إلى حين وجود هذا العابد ) . قال الشّيخ الشّعراني قدّس سرّه : « وهو أمر نفيس ما سمعنا من أحد ، ففيه إشارة